‏إظهار الرسائل ذات التسميات آلان باديو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آلان باديو. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 11 ديسمبر 2016

مغامرة الفلسفة الفرنسية (1): آلان باديو

ترجمة: محمد جمال

دعونا نبدأ هذه التأملات في الفلسفة الفرنسية المعاصرة بمفارقة : ذلك الأكثر عمومية أيضاً، وفي نفس الوقت، الأكثر خصوصية. هيجل دعى هذا "بالعمومية المحددة"، التوليف بين ذلك العام كلياً، المتعلق بكل شيء، مع ذلك الذي له زمان ومكان محدد. الفلسفة مثال جيد على ذلك. فهي عمومية كلياً، توجه نفسها للجميع، بدون استثناء؛ لكن في داخل الفلسفة توجد خصوصيات ثقافية وقومية قوية. توجد ما يمكننا تسميته لحظات فلسفية، في المكان والزمان. الفلسفة هكذا هي الغاية العامة للعقل، وفي نفس الوقت هي تلك التي تظهر نفسها في لحظات محددة بالكامل. لنأخذ مثال لنموذجين فلسفيين مكثفين ومعروفين بصورة خاصة. الأول هو للفلسفة اليونانية الكلاسيكية بين بارمنيدس وأرسطو، من القرن الخامس إلى القرن الثالث قبل الميلاد: لحظة محورية، مبدعة جداً، قصيرة الأجل تماماً. الثاني هو للمثالية الألمانية بين كانط وهيجل، عن طريق فيخته وشيلنج: لحظة فلسفية استثنائية أخرى، من أواخر القرن الثامن عشر إلى بدايات القرن التاسع عشر، خلاقة بشكل مكثف ومركزة حتى في فترة زمنية أقصر. أعتزم الدفاع عن أطروحة تاريخية وقومية إضافية: لقد وجدت - أو توجد، اعتماداً على أين أضع نفسي - لحظة فلسفية فرنسية للنصف الثاني من القرن العشرين، يمكن مقارنتها، نسبياً، مع مثالي اليونان الكلاسيكية وألمانيا عصر التنوير.
ظهر عمل سارتر التأسيسي، الوجود والعدم، في العام 1943 وكتابات دولوز المتأخرة، "ما هي الفلسفة؟"، ترجع إلى بدايةالتسعينات. لحظة الفلسفة الفرنسية تطورت بينهما الإثنان، وشملت باشلار، ميرلوبونتي، ليفي ستراوش، ألتوسير، فوكو، دريدا ولاكان بالإضافة لسارتر ودولوز - وربما، أنا. سنرى مع مرور الوقت. إذا كان هناك لحظة فلسفية فرنسية كهذه، موقعي سيكون كممثلها الأخير ربما. المجموع الكلي للأعمال الكاملة التي تقع بين مساهمة سارتر الطليعية وأعمال دولوز المتأخرة، هو المقصود هنا بمصطلح " الفلسفة الفرنسية المعاصرة". سأجادل بأنها تشكل لحظة جديدة للإبداع الفلسفي، على كلا الصعيدين العام والخاص. المسألة هي تحديد هذا المسعى. ماذا حدث في فرنسا، في الفلسفة، بين عام 1940 ونهاية القرن العشرين؟ ماذا حدث حول الأسماء العشرة تقريباً المذكورة في الأعلى؟ ما كان ذلك الذي نسميه الوجودية، البنيوية، التفكيكية؟ هل كان هناك وحدة تاريخية وفكرية لتلك اللحظة؟ ولو كان الأمر كذلك فمن أي نوع؟
سأقوم بمقاربة هذه المسائل من أربعة طرق مختلفة. أولاً، المنشأ: من أين جاءت هذه اللحظة، ما هي سابقاتها، ما هو مولدها؟ ثانياً، ما هي العمليات الفلسفية الرئيسية التي أخذتها على عاتقها؟ ثالثاً، السؤال الجوهري عن إرتباط هؤلاء الفلاسفة بالأدب، والصلة العامة بين الفلسفة والأدب في هذا السياق. وأخيراً، الجدال المستمر طوال كل هذه المدة بين الفلسفة والتحليل النفسي. المنشأ، العمليات، الأسلوب والأدب، التحليل النفسي: أربع وسائل سنحاول بواسطتها تعريف الفلسفة الفرنسية المعاصرة.

المفهوم والحياة الداخلية

للتفكير في المنشأ الفلسفي لهذه اللحظة نحتاج للعودة إلى الخلاف الجوهري الذي حدث داخل الفلسفة الفرنسية في بداية القرن العشرين، مع بزوغ تيارين متضادين. في عام 1911، ألقى بيرغسون محاضراته الشهيرة في أوكسفورد، التي ظهرت في مجموعته الفكر والحركة. في عام 1912، في نفس الوقت، بكلمات أخرى، نشر برنشفيك مراحل الفلسفة الرياضية. بقدومهما في عشية الحرب العظمى، تشهد هذه النشاطات على وجود توجهات مختلفة تماماً. في بيرغسون نعثر على ما يمكن تسميته فلسفة الباطن الحيوية، أطروحة عن هوية الوجود والصيرورة؛ فلسفة للحياة والتغير. هذا التوجه سيستمر طوال القرن العشرين، وصولاً إلى دولوز. في عمل برنشفيك، نجد فلسفة للمفهوم المستند على الرياضيات: الإمكانية لفلسفة شكلانية للأفكار والرموز، والتي استمرت بطريقة مماثلة طوال القرن، بالأخص في ليفي ستراوش، ألتوسير ولاكان.
من بداية القرن إذاً، أظهرت الفلسفة الفرنسية طابع جدلي ومنقسم. على جانب فلسفة للحياة؛ وفي الآخر، فلسفة للمفهوم. هذه المناظرة بين الحياة والمفهوم ستكون مركزية بشكل كلي للفترة التي ستلي. على محك أي نقاش كهذا يوجد السؤال عن الذات الإنسانية، لأن هنا يتوافق التياران معاً. كائن حي، وخالق للمفاهيم في آن واحد، الذات تستنطق التيارين فيما يتعلق بحياتها الداخلية، الحيوانية، العضوية، وفي ما يتعلق بأفكارها، قدرتها على الإبداع والتجريد. العلاقة بين الجسد والفكر، أو الحياة والمفهوم، صيغت حول سؤال الذات، وبالتالي بني التطور الكامل لفلسفة القرن العشرين الفرنسية من المعارضة الأولية بين بيرغسون وبرنشفيك فصاعداً. لتنطبق الإستعارة الكانطية عن الفلسفة كساحة معركة حيث كلنا مقاتلون منهكون تقريباً: خلال النصف الثاني للقرن العشرين، خطوط المعركة كانت ما تزال متشكلة بصورة جوهرية حول سؤال الذات. هكذا عرف ألتوسير التاريخ كعملية من دون ذات، والذات كفئة أيدلوجية؛ دريدا، مفسراً هايدغر، نظر إلى الذات كفئة ميتافيزيقية، لاكان خلق مفهوماً للذات، سارتر أو ميرولوبونتي، بالتأكيد قاما بتخصيص دور مركزي تماماً للذات. التعريف الأول للحظة الفلسفية الفرنسية سيكون بالتالي من حيث الصراع على ذات الإنسان، بما أن المسألة الجوهرية التي على المحك في هذا الصراع هي تلك العلاقة بين الحياة والمفهوم.
يمكننا، بالتأكيد، أخذ سؤال المنشأ إلى الوراء أكثر ونصف إنقسام الفلسفة الفرنسية كشقاق على الإرث الديكارتي. بمعنى، اللحظة الفلسفية لما بعد الحرب يمكن قراءتها كنقاش ملحمي عن افكار وأهمية ديكارت، كمخترع فلسفي لفئة الذات. ديكارت كان منظراً للجسد المادي- الحيوان - الآلة وللتأمل الخالص في نفس الوقت. وبالتالي كان معني بفيزياء الظواهر وميتافيزياء الذات معاً. جميع الفلاسفة المعاصرين العظماء كتبوا عن ديكارت: لاكان أثار فعلياً دعوة للعودة إلى ديكارت، سارتر كتب نصاً بارز عن تناول ديكارت للحرية، دولوز ظل خصم عنيد. باختصار، يوجد عدد من الديكارتات بقدر عدد فلاسفة فترة ما بعد الحرب. مرة أخرى، هذا المنشأ يثمر عن التعريف الأول للحظة الفلسفية الفرنسية كمعركة مفهومية حول سؤال الذات.

أربع حركات

ثانياً، التعرف على العمليات الفكرية الشائعة لدى هؤلاء المفكرين. سأبين أربعة اجراءات تجسد بشكل واضح، بالنسبة لي، طريقة لتعاطي الفلسفة خاصة بهذه اللحظة؛ كلها، بطريقة ما، منهجية. الحركة الأولى ألمانية، أو بالأحرى، حركة فرنسية مبنية على الفلاسفة الألمان. كل الفلسفة الفرنسية المعاصرة هي أيضاً، في الواقع، نقاش للأرث الألماني. لحظاتها التأسيسية تتضمن حلقات كوجيف عن هيجل التي حضرها لاكان والتي تأثر بها ليفي ستراوش أيضاً، واكتشاف الفينمولوجيا في الثلاثينيات والأربعينيات، عبر أعمال هوسرل وهايدغر. سارتر، على سبيل المثال، عدل وجهات نظره الفلسفية بصورة جذرية بعد قراءة هؤلاء الكتاب أبان اقامته القصيرة في برلين. دريدا يمكن اعتباره قبل كل شيء مفسر أصيل تماماً للفكر الألماني. نيتشة كان مرجعاً رئيسياً لكل من فوكو ودولوز.
الفلاسفة الفرنسيين إذاً مضوا للبحث عن شيء ما في ألمانيا، من خلال أعمال هيجل، نيتشة، هوسرل وهايدغر. عن ماذا كانوا يبحثون؟ في عبارة واحدة: علاقة جديدة بين المفهوم والوجود. خلف كل الأسماء التي تبناها هذا البحث - البنيوية، الوجودية، الهرمينوطيقا - يقع هدف مشترك: وهو تحويل، أو ازاحة، هذه العلاقة. التحول الوجودي للأفكارـ العلاقة بين الفكر وتربته الحية، كان أمر ملح للمفكرين الفرنسيين المتصارعين مع هذه القضية المركزية في إرثهم الخاص. هذه، إذا، هي "الحركة الألمانية"، البحث عن طرق جديدة لمعالجة العلاقة بين المفهوم والوجود عبر الإستعانة بالتقليد الفلسفي الألماني. في عملية ترجمتها إلى ساحة المعركة الخاصة بالفلسفة الفرنسية، الفلسفة الألمانية أيضاً تحولت إلى شيء جديد بالكامل. هذه العملية إذاً هي بشكل فعال مصادرة فرنسية للفلسفة الألمانية.
العملية الثانية، ليست أقل أهمية، تتعلق بالعلم. سعى الفلاسفة الفرنسيين لإنتزاع العلم من المجال الحصري لفلسفة المعرفة. من خلال إظهار أنه، كطريقة مثمرة ونشاط مبدع، وليس محض هدف للتأمل والإدراك،  يمضي إلى ما وراء مملكة المعرفة. لقد استجوبوا العلم بحثاً عن نماذج للإبتكار والتحويل ستدرجه كممارسة للأفكار الإبداعية مماثلة للنشاط الفني، عوضاً عن مجرد تنظيم للظواهر المكتشفة. هذه العملية لإزاحة العلم من مجال المعرفة إلى مجال الإبداع، وأخيراً جلبه أقرب من أي وقت مضى ناحية الفن، تجد تعبيرها الأسمى عند دولوز، الذي استكشف العلاقة بين الخلق الفني والعلمي بأكثر الطرق براعة وحميمية. ولكن الأمر بدأ من قبله بكثير كواحدة من العمليات التأسيسية للفلسفة الفرنسية.
العملية الثالثة هي عملية سياسية. جميع فلاسفة هذه الفترة سعوا إلى ارتباط عميق للفلسفة بالسؤال السياسي. سارتر، ميرلوبونتي ما بعد الحرب، فوكو، ألتوسير ودولوز كانوا ناشطين سياسيين؛ تماماً مثلما ذهبوا إلى الفلسفة الألمانية بحثاً عن مقاربة جديدة للمفهوم والوجود، فقد بحثوا في السياسة عن علاقة جديدة بين المفهوم والفعل، خصوصاً، الفعل الجماعي. هذه الرغبة الجوهرية لربط الفلسفة بالوضع السياسي حولت العلاقة بين المفهوم والفعل.
العملية الرابعة تتعلق بتحديث الفلسفة، بطريقة تختلف تماماً عن رياء الإدارات الحكومية المتعاقبة. أظهر الفلاسفة الفرنسيين انجذاب عميق نحو الحداثة. لقد تبعوا التطورات الفنية، الثقافية والإجتماعية عن كثب. كان هناك اهتمام فلسفي قوي بالرسم غير التصويري، الموسيقى الجديدة والمسرح، الروايات البوليسية، الجاز والسينما، ورغبة في جلب الفلسفة لتؤثر على أشد التعبيرات كثافة للعالم الحديث. اهتمام شديد أيضاً تم دفعه للجنسانية وطرق المعيشة الجديدة. في كل هذا كانت الفلسفة تبحث عن علاقة جديدة بين المفهوم وانتاج الأشكال - فنية أو اجتماعية أو أشكال للحياة. التحديث إذاً كان هو البحث عن طريق جديد تقارب به الفلسفة خلق الأشكال.
باختصار: اللحظة الفلسفية الفرنسية شملت مصادرة جديدة للفكر الألماني، رؤية للعلم كإبداع، ارتباط سياسي جذري وبحث عن أشكال جديدة للفن والحياة. عبر كل هذه العمليات تجري المحاولة المشتركة لإيجاد موضع جديد، أو إزاحة للمفهوم: إزاحة العلاقة بين المفهوم وبيئته الخارجية بواسطة تطوير علاقات جديدة مع الوجود، الفكر، الفعل، وحركة الأشكال. انه التجديد لهذه العلاقة بين المفهوم الفلسفي والبيئة الخارجية هو ما شكل الإبتكار الواسع لفلسفة القرن العشرين الفرنسية.


الخميس، 13 أكتوبر 2016

الشعر والشيوعية: آلان باديو*

ترجمة: محمد جمال


في القرن الماضي، بعض من كبار الشعراء حقيقة، في كل لغات الأرض تقريباً، كانوا شيوعيين. على سبيل المثال، كان هؤلاء الشعراء، بطريقة صريحة أو رسمية، ملتزمين بالشيوعية: في تركيا، ناظم حكمت؛ في تشيلي، بابلو نيرودا؛ في إسبانيا، رافائيل ألبرتي؛ في إيطاليا، إدواردو سانغونيتي؛ في اليونان يانيس ريتسوس؛ في الصين، آي تشينج؛ في فلسطين، محمود درويش؛ في بيرو، سيزار فاييخو؛ وفي ألمانيا، المثال المشرق فوق كل شيء هو بيرتولت بريخت. لكن يمكننا ان نستشهد بعدد كبير جداً من الأسماء الأخرى في لغات أخرى، في جميع أنحاء العالم.
هل يمكننا أن نفهم هذا الرابط بين الإلتزام الشعري والإلتزام الشيوعي كوهم بسيط؟ كخطأ،او كمغامرة؟ كجهل بوحشية الدول التي حكمتها الأحزاب الشيوعية؟ لا أعتقد ذلك. أريد أن اجادل، على العكس تماماً، بأنه يوجد رابط جوهري بين الشعر والشيوعية، إذا ما فهمنا "الشيوعية" بأمانة في معناها الأساسي: الإهتمام بما هو مشترك بين الجميع. الحب العنيف، المتناقض، والمسعور للعيش المشترك؛ الرغبة في أن لا يتم الإستيلاء على ما ينبغي ان يكون مشترك وفي متناول الجميع بواسطة خدم رأس المال. الرغبة الشعرية في ان تكون أشياء الحياة مثلها مثل السماء والأرض، مثل مياه المحيطات، وحرائق الغابات في ليلة صيفية- أي أن تنتمي بالحق للعالم أجمع.
الشعراء شيوعيون لسبب رئيسي، وهو جوهري للغاية: اللغة هي مجالهم، في الغالب لغتهم الأم. الآن، اللغة هي ما يعطى للجميع منذ الولادة كمصلحة عامة تماماً. الشعراء هم أولئك الذين يحاولون جعل اللغة تقول ما يبدو إنها غير قادرة على قوله. الشعراء هم أولئك الذين يسعون لخلق أسماء جديدة داخل اللغة لتسمية ذلك الذي، قبل القصيدة، لم يكن له اسم. ومن الضروري للشعر أن تكون لهذه الاختراعات، لهذه المخلوقات، التي هي داخلية بالنسبة للغة، نفس مصير اللغة الأم : عليها أن تعطى للجميع بدون استثناء. القصيدة هي هدية الشاعر للغة. ولكن هذه الهدية، مثل اللغة نفسها، مقدرة للمشاع- أي لهذه النقطة المجهولة حيث ما يهم ليس شخص واحد على وجه الخصوص ولكن الجميع في صيغة المفرد.
هكذا تعرف شعراء القرن العشرين الكبار، في المشروع الثوري الجليل للشيوعية، على شيء مألوف لهم - وهو، بما أن القصيدة تعطي اختراعاتها للغة وبما أن اللغة تعطى للجميع، يجب أن يعطى العالم المادي وعالم الأفكار بشكل متكامل للجميع ، يجب أن لا يعود ملكية للقلة ولكن مصلحة مشتركة للإنسانية جمعاء.
هذا هو السبب في أن الشعراء رأوا في الشيوعية قبل كل شيء شكل جديد لمصير الناس. و"الناس" هنا تعني أولاً وقبل كل شيء الناس الفقراء، العمال، النساء المهجورات، الفلاحين المعدمين. لماذا؟ لأن أولاً وقبل كل شيء لأولئك الذين لا يملكون شيئاً يجب أن يعطى كل شيء. على القصيدة أن تعطى للأبكم، للجلاج، للأجنبي، وليس للثرثار،للنحوي، أو للقومي. علينا أن نعطي للبروليتاريا - الذين عرفهم ماركس بأنهم أولئك الذين لا يمتلكون شيئاً سوى جسدهم القادر على العمل - الأرض كلها، إضافة لكل الكتب، وكل الموسيقى، وكل اللوحات، وكل العلوم. علاوة على ذلك،فلهم يجب أن تعطى ، للبروليتاريا في جميع اشكالها، قصيدة الشيوعية.
المدهش هو أن هذا قد قاد كل هؤلاء الشعراء لإعادة اكتشاف شكل شعري قديم جداً: الملحمة. القصيدة الشيوعية هي في المقام الأول الملحمة البطولية للبروليتاريا. لذلك ميز الشاعر التركي ناظم حكمت القصائد الغنائية، المكرسة للحب، عن القصائد الملحمية المكرسة لأفعال جماهير الشعب. ولكن حتى شاعر في حكمة وهرمسية سيزار فاييخو لم يتردد في كتابة قصيدة بعنوان "أنشودة إلى المتطوعين للجمهورية". عنوان كهذا ينتمي بوضوح إلى نظام إحياء ذكرى الحروب، إلى الإلتزام الملحمي.
هؤلاء الشعراء الشيوعيون أعادوا اكتشاف ما سبق لفيكتور هوجو اكتشافه في فرنسا بالفعل: واجب الشاعر هو البحث في اللغة عن موارد جديدة للملحمة التي لن تكون بعد الآن عن الأرستقراطية الفرسان لكن ملحمة الناس اثناء عملية خلقهم لعالم آخر. الرابط الأساسي المنظم في أغنية الشاعر هو هذا: السياسة الجديدة قابلة لتنشأ بين، البؤس وصعوبات الحياة البالغة، الرعب من القمع، وكل شيء يستدعي شفقتنا، من جهة، وبين التجييش، الكفاح، الفكر الجماعي، العالم الجديد - وبالتالي، كل شيء يستدعي إعجابنا، من جهة أخرى. إنه من هذا الدياليكتيك بين الشفقة والإعجاب، من هذا التعارض الشعري العنيف بين الإنحطاط والنهوض، من هذا الإنقلاب من الخضوع إلى البطولة، ينشد الشعراء الشيوعيون المجاز الحي، التصوير غير الواقعي، والقوة الرمزية. يبحثون عن الكلمات للتعبير عن اللحظة التي يتحول فيها الصبر الأبدي للمظلومين في جميع الأوقات إلى قوة جماعية لا تنفصم فيها الأجساد الثائرة والأفكار المشتركة.
هذا هو السبب أن لحظة واحدة - لحظة تاريخية فريدة - أنشدت بواسطة كل الشعراء الشيوعيون الذين كتبوا بين العشرينات والأربعينات من القرن العشرين: لحظة الحرب الأهلية في إسبانيا، التي جرت كما تعلمون من عام 1936 إلى عام 1939.
لنلاحظ أن الحرب الأهلية الإسبانية هي بدون شك الحدث التاريخي الأكثر كثافة في تعبئة كل فناني ومثقفي العالم. من ناحية لدينا الإلتزام الشخصي الجدير بالملاحظة للكتاب، من كل النزعات الأيدولوجية التي تقف بجانب الجمهوريين، بما فيهم بالتالي الشيوعيون: سواء كنا نتعامل مع الشيوعيين المنظمين، الإشتراكيين الديموقراطيين، اليبراليين الخالصين، أو حتى الكاثوليك المتحمسين، مثل الكاتب الفرنسي جورج برنانوس، القائمة استثنائية إذا قمنا بإضافة كل اولئك الذين تحدثوا علانية، كل الذين ذهبوا إلى إسبانيا وسط الحرب، وحتى خاضوا معارك إلى جانب القوات الجمهورية. من ناحية أخرى، عدد الأعمال الفنية العظيمة التي تم إنتاجها في هذه المناسبة ليس أقل من مذهل. لقد قمت بالفعل بالإشارة إلى كثير من الشعر. لكن لنفكر ايضاً في لوحة بابلو بيكاسو البديعة المسماة بالجورنيكا؛ لنفكر في إثنين من أعظم الروايات في نوعهما: الأمل لأندريه مالرو ولمن تقرع الأجراس للأمريكي إرنست همنغواي. الحرب الأهلية المرعبة والدموية في إسبانيا قامت بتنوير فن العالم لعدة سنوات.
أرى أربعة أسباب على الأقل للإلتزام الهائل والعالمي للمثقفين بمناسبة الحرب في إسبانيا.
أولاً في الثلاثينيات وجد العالم نفسه في أزمة سياسية وأيدولوجية ساحقة. لمس الرأي العام أكثر فأكثر أن هذه الأزمة لا يمكن أن يكون لها نهاية سلمية، لا يوجد حل توافقي أو قانوني. كان الأفق مفزع بالحروب الداخلية والخارجية. وسط المثقفين، كانت النزعة هي أن تختار بين توجهات متعارضة تماماً: التوجهات الفاشية والتوجهات الشيوعية. خلال الحرب في إسبانيا، هذا الصراع أخذ شكل حرب أهلية نقية وبسيطة. صارت إسبانيا هي الصورة الرمزية العنيفة للصراع الأيدولوجي المركزي للعصر.هذا هو ما يمكننا تسميته رمزية وبالتالي قيمة عالمية لهذه الحرب.
ثانياً، خلال الحرب الإسبانية، جاءت المناسبة للفنانين والمثقفين في جميع أنحاء العالم ليس فقط لإظهار دعمهم لمعسكر الشعب، ولكن ايضاً للمشاركة في المعركة بصورة مباشرة. وبالتالي ما كان رأي تحول إلى فعل؛ وما كان شكل من أشكال التضامن صار شكل من أشكال الأخوة.
ثالثاً، الحرب في إسبانيا إتخذت شكل عنيف صدم الناس. البؤس والدمار كانا حاضرين في كل مكان. المذابح المنظمة للسجناء، القصف العشوائي للقرى، قسوة كلا المعسكرين: كل هذا أعطى الناس فكرة عن ماذا قد يكون وماذا سيكون عليه في الواقع الصراع العالمي التي كانت الحرب الإسبانية هي مقدمته.
رابعاً، الحرب الإسبانية كانت اللحظة الأقوى ، ربما الفريدة في تاريخ العالم، لإدراك المشروع الماركسي العظيم: ذلك الذي عن السياسة الثورية الأممية الحقة. علينا ان نتذكر ما الذي عناه تدخل الكتائب الدولية: لقد أظهروا أن التعبئة الدولية للعقول كانت ايضاً، وقبل كل شيء، تعبئة دولية للناس. انا افكر في المثال الفرنسي: الآلاف من العمال، غالباً شيوعيون، رحلوا كمتطوعين لخوض معارك في إسبانيا. ولكن كان هنالك أيضاً أمريكيون، ألمان، إيطاليون، روس، أناس من كل الدول. هذا التفاني الدولي النموذجي، هذه الأممية الموضوعية الجوهرية، ربما تكون الإنجاز الأكثر لفتاً للنظر لما كان ماركس يفكر فيه، الذي يمكن تلخيصه في عبارتين: سلبياً، ليس للبروليتاريا وطن، موطنهم السياسي هو عالم الرجال والنساء الأحياء بأسره؛ إيجابياً، التنظيمات الدولية هي ما يسمح بالمواجهة وفي النهاية بالنصر الحقيقي على عدو الجميع، المعسكر الرأسمالي، بما في ذلك شكله الأكثر تطرفاً، وهو الفاشية.
هكذا وجد الشعراء الشيوعيون في الحرب الإسبانية سبب موضوعي رئيسي لتجديد الشعر الملحمي في إتجاه الملحمة الشعبية - تلك التي عن معاناة الناس وكذلك عن بطولتهم الأممية، تنظيمهم وإستعدادهم للقتال.


*مقتطف من الفصل التاسع من كتاب آلان باديو عصر الشعراء