الخميس، 13 أكتوبر 2016

الشعر والشيوعية: آلان باديو*

ترجمة: محمد جمال


في القرن الماضي، بعض من كبار الشعراء حقيقة، في كل لغات الأرض تقريباً، كانوا شيوعيين. على سبيل المثال، كان هؤلاء الشعراء، بطريقة صريحة أو رسمية، ملتزمين بالشيوعية: في تركيا، ناظم حكمت؛ في تشيلي، بابلو نيرودا؛ في إسبانيا، رافائيل ألبرتي؛ في إيطاليا، إدواردو سانغونيتي؛ في اليونان يانيس ريتسوس؛ في الصين، آي تشينج؛ في فلسطين، محمود درويش؛ في بيرو، سيزار فاييخو؛ وفي ألمانيا، المثال المشرق فوق كل شيء هو بيرتولت بريخت. لكن يمكننا ان نستشهد بعدد كبير جداً من الأسماء الأخرى في لغات أخرى، في جميع أنحاء العالم.
هل يمكننا أن نفهم هذا الرابط بين الإلتزام الشعري والإلتزام الشيوعي كوهم بسيط؟ كخطأ،او كمغامرة؟ كجهل بوحشية الدول التي حكمتها الأحزاب الشيوعية؟ لا أعتقد ذلك. أريد أن اجادل، على العكس تماماً، بأنه يوجد رابط جوهري بين الشعر والشيوعية، إذا ما فهمنا "الشيوعية" بأمانة في معناها الأساسي: الإهتمام بما هو مشترك بين الجميع. الحب العنيف، المتناقض، والمسعور للعيش المشترك؛ الرغبة في أن لا يتم الإستيلاء على ما ينبغي ان يكون مشترك وفي متناول الجميع بواسطة خدم رأس المال. الرغبة الشعرية في ان تكون أشياء الحياة مثلها مثل السماء والأرض، مثل مياه المحيطات، وحرائق الغابات في ليلة صيفية- أي أن تنتمي بالحق للعالم أجمع.
الشعراء شيوعيون لسبب رئيسي، وهو جوهري للغاية: اللغة هي مجالهم، في الغالب لغتهم الأم. الآن، اللغة هي ما يعطى للجميع منذ الولادة كمصلحة عامة تماماً. الشعراء هم أولئك الذين يحاولون جعل اللغة تقول ما يبدو إنها غير قادرة على قوله. الشعراء هم أولئك الذين يسعون لخلق أسماء جديدة داخل اللغة لتسمية ذلك الذي، قبل القصيدة، لم يكن له اسم. ومن الضروري للشعر أن تكون لهذه الاختراعات، لهذه المخلوقات، التي هي داخلية بالنسبة للغة، نفس مصير اللغة الأم : عليها أن تعطى للجميع بدون استثناء. القصيدة هي هدية الشاعر للغة. ولكن هذه الهدية، مثل اللغة نفسها، مقدرة للمشاع- أي لهذه النقطة المجهولة حيث ما يهم ليس شخص واحد على وجه الخصوص ولكن الجميع في صيغة المفرد.
هكذا تعرف شعراء القرن العشرين الكبار، في المشروع الثوري الجليل للشيوعية، على شيء مألوف لهم - وهو، بما أن القصيدة تعطي اختراعاتها للغة وبما أن اللغة تعطى للجميع، يجب أن يعطى العالم المادي وعالم الأفكار بشكل متكامل للجميع ، يجب أن لا يعود ملكية للقلة ولكن مصلحة مشتركة للإنسانية جمعاء.
هذا هو السبب في أن الشعراء رأوا في الشيوعية قبل كل شيء شكل جديد لمصير الناس. و"الناس" هنا تعني أولاً وقبل كل شيء الناس الفقراء، العمال، النساء المهجورات، الفلاحين المعدمين. لماذا؟ لأن أولاً وقبل كل شيء لأولئك الذين لا يملكون شيئاً يجب أن يعطى كل شيء. على القصيدة أن تعطى للأبكم، للجلاج، للأجنبي، وليس للثرثار،للنحوي، أو للقومي. علينا أن نعطي للبروليتاريا - الذين عرفهم ماركس بأنهم أولئك الذين لا يمتلكون شيئاً سوى جسدهم القادر على العمل - الأرض كلها، إضافة لكل الكتب، وكل الموسيقى، وكل اللوحات، وكل العلوم. علاوة على ذلك،فلهم يجب أن تعطى ، للبروليتاريا في جميع اشكالها، قصيدة الشيوعية.
المدهش هو أن هذا قد قاد كل هؤلاء الشعراء لإعادة اكتشاف شكل شعري قديم جداً: الملحمة. القصيدة الشيوعية هي في المقام الأول الملحمة البطولية للبروليتاريا. لذلك ميز الشاعر التركي ناظم حكمت القصائد الغنائية، المكرسة للحب، عن القصائد الملحمية المكرسة لأفعال جماهير الشعب. ولكن حتى شاعر في حكمة وهرمسية سيزار فاييخو لم يتردد في كتابة قصيدة بعنوان "أنشودة إلى المتطوعين للجمهورية". عنوان كهذا ينتمي بوضوح إلى نظام إحياء ذكرى الحروب، إلى الإلتزام الملحمي.
هؤلاء الشعراء الشيوعيون أعادوا اكتشاف ما سبق لفيكتور هوجو اكتشافه في فرنسا بالفعل: واجب الشاعر هو البحث في اللغة عن موارد جديدة للملحمة التي لن تكون بعد الآن عن الأرستقراطية الفرسان لكن ملحمة الناس اثناء عملية خلقهم لعالم آخر. الرابط الأساسي المنظم في أغنية الشاعر هو هذا: السياسة الجديدة قابلة لتنشأ بين، البؤس وصعوبات الحياة البالغة، الرعب من القمع، وكل شيء يستدعي شفقتنا، من جهة، وبين التجييش، الكفاح، الفكر الجماعي، العالم الجديد - وبالتالي، كل شيء يستدعي إعجابنا، من جهة أخرى. إنه من هذا الدياليكتيك بين الشفقة والإعجاب، من هذا التعارض الشعري العنيف بين الإنحطاط والنهوض، من هذا الإنقلاب من الخضوع إلى البطولة، ينشد الشعراء الشيوعيون المجاز الحي، التصوير غير الواقعي، والقوة الرمزية. يبحثون عن الكلمات للتعبير عن اللحظة التي يتحول فيها الصبر الأبدي للمظلومين في جميع الأوقات إلى قوة جماعية لا تنفصم فيها الأجساد الثائرة والأفكار المشتركة.
هذا هو السبب أن لحظة واحدة - لحظة تاريخية فريدة - أنشدت بواسطة كل الشعراء الشيوعيون الذين كتبوا بين العشرينات والأربعينات من القرن العشرين: لحظة الحرب الأهلية في إسبانيا، التي جرت كما تعلمون من عام 1936 إلى عام 1939.
لنلاحظ أن الحرب الأهلية الإسبانية هي بدون شك الحدث التاريخي الأكثر كثافة في تعبئة كل فناني ومثقفي العالم. من ناحية لدينا الإلتزام الشخصي الجدير بالملاحظة للكتاب، من كل النزعات الأيدولوجية التي تقف بجانب الجمهوريين، بما فيهم بالتالي الشيوعيون: سواء كنا نتعامل مع الشيوعيين المنظمين، الإشتراكيين الديموقراطيين، اليبراليين الخالصين، أو حتى الكاثوليك المتحمسين، مثل الكاتب الفرنسي جورج برنانوس، القائمة استثنائية إذا قمنا بإضافة كل اولئك الذين تحدثوا علانية، كل الذين ذهبوا إلى إسبانيا وسط الحرب، وحتى خاضوا معارك إلى جانب القوات الجمهورية. من ناحية أخرى، عدد الأعمال الفنية العظيمة التي تم إنتاجها في هذه المناسبة ليس أقل من مذهل. لقد قمت بالفعل بالإشارة إلى كثير من الشعر. لكن لنفكر ايضاً في لوحة بابلو بيكاسو البديعة المسماة بالجورنيكا؛ لنفكر في إثنين من أعظم الروايات في نوعهما: الأمل لأندريه مالرو ولمن تقرع الأجراس للأمريكي إرنست همنغواي. الحرب الأهلية المرعبة والدموية في إسبانيا قامت بتنوير فن العالم لعدة سنوات.
أرى أربعة أسباب على الأقل للإلتزام الهائل والعالمي للمثقفين بمناسبة الحرب في إسبانيا.
أولاً في الثلاثينيات وجد العالم نفسه في أزمة سياسية وأيدولوجية ساحقة. لمس الرأي العام أكثر فأكثر أن هذه الأزمة لا يمكن أن يكون لها نهاية سلمية، لا يوجد حل توافقي أو قانوني. كان الأفق مفزع بالحروب الداخلية والخارجية. وسط المثقفين، كانت النزعة هي أن تختار بين توجهات متعارضة تماماً: التوجهات الفاشية والتوجهات الشيوعية. خلال الحرب في إسبانيا، هذا الصراع أخذ شكل حرب أهلية نقية وبسيطة. صارت إسبانيا هي الصورة الرمزية العنيفة للصراع الأيدولوجي المركزي للعصر.هذا هو ما يمكننا تسميته رمزية وبالتالي قيمة عالمية لهذه الحرب.
ثانياً، خلال الحرب الإسبانية، جاءت المناسبة للفنانين والمثقفين في جميع أنحاء العالم ليس فقط لإظهار دعمهم لمعسكر الشعب، ولكن ايضاً للمشاركة في المعركة بصورة مباشرة. وبالتالي ما كان رأي تحول إلى فعل؛ وما كان شكل من أشكال التضامن صار شكل من أشكال الأخوة.
ثالثاً، الحرب في إسبانيا إتخذت شكل عنيف صدم الناس. البؤس والدمار كانا حاضرين في كل مكان. المذابح المنظمة للسجناء، القصف العشوائي للقرى، قسوة كلا المعسكرين: كل هذا أعطى الناس فكرة عن ماذا قد يكون وماذا سيكون عليه في الواقع الصراع العالمي التي كانت الحرب الإسبانية هي مقدمته.
رابعاً، الحرب الإسبانية كانت اللحظة الأقوى ، ربما الفريدة في تاريخ العالم، لإدراك المشروع الماركسي العظيم: ذلك الذي عن السياسة الثورية الأممية الحقة. علينا ان نتذكر ما الذي عناه تدخل الكتائب الدولية: لقد أظهروا أن التعبئة الدولية للعقول كانت ايضاً، وقبل كل شيء، تعبئة دولية للناس. انا افكر في المثال الفرنسي: الآلاف من العمال، غالباً شيوعيون، رحلوا كمتطوعين لخوض معارك في إسبانيا. ولكن كان هنالك أيضاً أمريكيون، ألمان، إيطاليون، روس، أناس من كل الدول. هذا التفاني الدولي النموذجي، هذه الأممية الموضوعية الجوهرية، ربما تكون الإنجاز الأكثر لفتاً للنظر لما كان ماركس يفكر فيه، الذي يمكن تلخيصه في عبارتين: سلبياً، ليس للبروليتاريا وطن، موطنهم السياسي هو عالم الرجال والنساء الأحياء بأسره؛ إيجابياً، التنظيمات الدولية هي ما يسمح بالمواجهة وفي النهاية بالنصر الحقيقي على عدو الجميع، المعسكر الرأسمالي، بما في ذلك شكله الأكثر تطرفاً، وهو الفاشية.
هكذا وجد الشعراء الشيوعيون في الحرب الإسبانية سبب موضوعي رئيسي لتجديد الشعر الملحمي في إتجاه الملحمة الشعبية - تلك التي عن معاناة الناس وكذلك عن بطولتهم الأممية، تنظيمهم وإستعدادهم للقتال.


*مقتطف من الفصل التاسع من كتاب آلان باديو عصر الشعراء

الخميس، 29 سبتمبر 2016

زيت الكلب: أمبروز بيرس

ترجمة: محمد جمال



إسمي بوفر بينجز. ولدت لأبوان شريفان في واحدة من مناحي الحياة المتواضعة، والدي كان يصنع زيت الكلب ووالدتي امتلكت ستوديو صغير في ظل كنيسة القرية، حيث كانت تتخلص من المواليد غير المرغوب فيهم. في صباي تم تدريبي على عادات الصنعة. انا لا اساعد والدي في جلب الكلاب إلى أحواضه فقط، بل كثيراً ما كنت أوظف بواسطة امي لأتخلص من أنقاض عملها في الاستوديو. في تأدية هذا الواجب كنت احياناً في حاجة لكل ذكائي الطبيعي لأن كل ضباط القانون في المنطقة كانوا يعارضون عمل والدتي. لم يتم إنتخابهم في لائحة المعارضة، والمسألة لم تصر قضية سياسية أبداً؛ لقد كان الأمر كذلك فقط. عمل والدي في صناعة زيت الكلب كان، بطبيعة الحال، أقل كرهاً، رغم أن اصحاب الكلاب المفقودة كانوا ينظرون إليه احياناً بإرتياب، الأمر الذي إنعكس علي إلى حد ما. والدي كان يمتلك، كشركاء صامتين، كل أطباء البلدة، الذين نادراً ما كتبوا وصفة طبية لا تحتوي على ما كان يسرهم ان يطلقوا عليه إسم "أو إل. كان." انه بالفعل أنفس الأدوية التي تم إكتشافها على الإطلاق. لكن معظم الناس ليسوا على إستعداد لبذل تضحيات شخصية في سبيل المرضى، وقد كان جلياً ان الكثير من كلاب البلدة السمينة قد حرم عليها اللعب معي- حقيقة آلمت مشاعري الصغيرة، وفي أحد المرات كانت قريبة من دفعي إلى ان اصير قرصان.

عندما انظر لتلك الأيام،احياناً، لا يمكنني إلا ان اندم على أنه بمساهمتي غير المباشرة في موت والداي العزيزان كنت المؤلف لتلك المصائب التي أثرت على مستقبلي بشكل عميق.

في إحدى الليالي بينما كنت اجتاز مصنع والدي للزيت مع جثة لقيط من ستوديو والدتي رأيت شرطي بدا انه يراقب تحركاتي عن كثب. منذ صغري تعلمت ان تصرفات الشرطي، أي كان مظهره الشخصي، تحثها اكثر البواعث بغضاً، وتملصت منه بالإنزلاق إلى مصنع الزيت عبر باب جانبي حدث ان كان مفتوح جزئياً. أغلقت الباب فوراً بعد دخولي وكنت وحيداً مع ميتي. والدي كان قد إنزوى لهذه الليلة. الضوء الوحيد في المكان كان يجيء من الفرن، الذي توهج بلون قرمزي غني وعميق تحت أحد الأحواض، ساكب إنعكاسات حمراء على الجدرن. داخل المرجل لا يزال الزيت يتموج في غليان بطيء، دافع إلى السطح ،بين الحين والآخر، بقطعة من كلب. أجلست نفسي في إنتظار ذهاب الشرطي، وضعت جثة اللقيط العارية على حجري وبحنان مسدت على شعره القصير الناعم. اووه، كم كان جميلاً! حتى في تلك السن المبكرة كنت مولع بالأطفال بشغف، وبينما اتطلع إلى هذا الملاك كدت اعثر في قلبي على رغبة في ان يكون الجرح الأحمر الصغير الذي على صدره -عمل والدتي العزيزة- غير مميت.

لقد كان من عادتي ان اقوم بإلقاء المواليد في النهر الذي وفرته الطبيعة، بشكل مدروس، لهذا الغرض، ولكن في تلك الليلة لم اكن أجرؤ على مغادرة مصنع الزيت خوفاً من الشرطي. "بعد كل شيء،" قلت لنفسي، "لا يهم الأمر كثيراً إذا قمت بوضعه في المرجل. والدي لن يميز أبداً بين عظامه وعظام الجراء، والوفيات القليلة التي ستنتج من تعاطي زيت من نوع آخر غير "أو إل. كان." الذي لا يضاهيه شيء غير مهمة في تعداد السكان الذي يزيد بسرعة كبيرة. بإختصار، إتخذت الخطوة الأولى في الجريمة وجلبت لنفسي احزان لا تعد ولا تحصي بإلقاء المولود في المرجل.

اليوم التالي، لدهشتي، فرك والدي كفيه في رضا وهو يبلغني انا وأمي بأنه تحصل على افضل نوعية زيت على الإطلاق. الأطباء الذين عرض عليهم عينات أثنوا عليه كثيراً. أضاف انه لا يمتلك اي معرفة عن كيف تم الحصول على تلك النتيجة؛ الكلب تمت معاملته بكل إحترام كالعادة، وقد كان من سلالة عادية. اعتقدت ان من واجبي ان اشرح-الأمر الذي فعلته-، رغم ان لساني كان سيشل ان كنت قد تنبأت بالعواقب. نادبين على جهلهم السابق من مزايا دمج صنعتيهما، إتخذ والداي تدابير فورية لإصلاح الخطأ. نقلت والدتي الاستوديو إلى جناح في مبنى المصنع وواجباتي فيما يخص العمل توقفت؛ لم يعد مطلوب مني بعد الآن التخلص من جثث الزوائد الصغيرة، ولم يعد هنالك حاجة في إغواء الكلاب إلى هلاكها، لأن والدي تخلص منها كلها، رغم انها لا تزال تمتلك مكانة مبجلة في إسم الزيت. هكذا فجأة رميت إلى البطالة، ربما توقع مني طبيعياً ان اصير فاسد وفاسق، لكنني لم أفعل، التأثير المقدس لوالدتي العزيزة كان دائماً معي ليحميني من الإغراءات التي تهاجم الشباب، ووالدي كان شماس في الكنيسة. واحسرتاه، انه بواسطة خطأي سيقبل هذان الشخصان الجديران بالإحترام إلى نهاية سيئة للغاية.

بحصولها على ربح مضاعف من عملها، كرست والدتي نفسها له بإجتهاد جديد. لقد تخلصت ليس فقط من الزوائد والمواليد غير المرحب بهم ، بل مضت إلى الشوارع الرئيسة والجانبة تجمع أطفال ذوي نمو كبير، وحتى اولئك الكبار الذين إستطاعت إغواءهم إلى مصنع الزيت. والدي،ايضاً، مفتوناً بالجودة الممتازة للزيت المنتج، قام بتموين أحواضه بإجتهاد وحماس. بإختصار،صار تحويل جيرانهم إلى زيت كلب، الشغف الوحيد في حياتهم - جشع غامر ومستحوذ إستولى على أرواحهم وخدمهم بدلاً عن الأمل في الجنة- به أيضاً، كانوا ملهمين.

صارا الآن جريئين جداً لدرجة ان عقدت جلسة علنية مررت فيها قرارات تنتقدهم بشدة. لقد ألمح الرئيس ان اي غارات إضافية على السكان ستقابل بروح عدائية. والداي المسكينان غادرا الإجتماع ، بقلوب محطمة، محبطان، واعتقد، ليس في كامل قواهما العقلية. على كل حال اعتقدت ان من الحصافة ألا ادخل مصنع الزيت معهم في تلك الليلة، ونمت بالخارج في الحظيرة.

حوالي منتصف الليل بعض الدوافع الغامضة تسببت في ان انهض واحدق عبر النافذة إلى غرفة الفرن، المكان الذي اعرف ان والدي نائم فيه الآن. النار كانت تتقد متألقة كأنه يتوقع من حصاد اليوم التالي ان يكون وفيراً. أحد المراجل الضخمة كان يئز ببطء بهيئة غامضة تنم عن ضبط النفس،كأنه يتحين اللحظة المناسبة ليبذل طاقته القصوى. والدي لم يكن في الفراش، كان واقف في ملابس النوم يعد أنشوطة من حبل قوي. من النظرة التي كان يصوبها إلى باب غرفة نوم والدتي أدركت جيداً جداً الغاية التي كانت تدور في خلده. صامت ومتجمد من الرعب، لم يكن بوسعي فعل شيء في سبيل الوقاية او التحذير. فجأة انفتح باب مسكن والدتي ، بدون ضوضاء، وتواجه الإثنان، كلاهما على ما يبدو متفاجئ. السيدة أيضاً كانت في ملابس النوم، وتحمل في يدها اليمنى أداة مهنتها، خنجر طويل ذو نصل مدبب.

هي ايضاً لم تكن قادرة على حرمان نفسها من الربح الاخير الذي تركه لها غيابي وتصرفات المواطنين الفظة. لوهلة نظر كلاهما إلى عيون الآخر المشتعلة ثم إنطلقا معاً في عنف يفوق الوصف. جولة بعد جولة كافحا في الغرفة ،الرجل يسب، المرأة تصيح، الإثنان يقاتلان كالشياطين- تحاول طعنه بالخنجر، يحاول خنقها بيديه العاريتين الضخمتين. لا اعرف لكم من الوقت إمتلكت البؤس لمشاهدة هذه الحالة الكريهة من التعاسة المنزلية، ولكن اخيراً، بعد كفاح أكثر حدة من المعتاد، تفرق المحاربان فجأة.
صدر والدي وسلاح والدتي أظهرا أدلة على الإتصال. لوهلة اخرى حملقا بغضب في بعضهما بأكثر الطرق إثارة للحسد؛ بعدها والدي الجريح المسكين، شاعر بيد الموت تقترب منه، وثب إلى الأمام، غير مبال بالمقاومة، أمسك والدتي العزيزة بيده، سحبها إلى جانب أحد المراجل التي تغلي، جمع كل طاقته الضعيفة، وإنطلق معها إلى الداخل ! خلال لحظة، اختفى الإثنان واضافا زيتهما لزيت لجنة المواطنين التي دعت في النهار السابق إلى الإجتماع العام.

واثق بأن هذه الأحداث التعيسة قد أغلقت امامي كل السبل إلى مهنة محترمة في البلدة، إنتقلت إلى مدينة أتوموا الشهيرة، حيث كُتبت هذه الذكريات بقلب ممتليء بالندم عن كيفية تسبب عمل مستهتر في كارثة تجارية مفجعة جداً.

الاثنين، 26 سبتمبر 2016

مغامرات الروح: أناتول فرانس

ترجمة: محمد جمال



كما افهمه فالنقد ، مثل الفلسفة والتاريخ، رواية من نوع ما لإستخدام العقول المتفردة والفضولية. وكل رواية، إذا فهمت بشكل صحيح، هي سيرة ذاتية. الناقد الجيد هو الذي يحكي مغامرات روحه وسط الأعمال الفنية العظيمة.
لا وجود لشيء يدعى نقد موضوعي مثلما لا وجود لشيء يدعى فن موضوعي، وكل الذين يطرون انفسهم بأنهم وضعوا كل شيء ما عدا ذواتهم في اعمالهم مخدوعين بأكبر المغالطات وهماً. الحقيقة هي ان المرء لا يخرج من ذاته أبداً. هذه واحدة من مآسينا العظيمة. ما الذي قد لا نهبه لنرى، ولو لدقيقة واحدة، السماء والأرض بالعين متعددة الأوجه لذبابة، او لفهم الطبيعة بالعقل الفظ البسيط لقرد؟ولكن ذلك محرم علينا. لا يمكننا، مثل تيريسياس، ان نكون رجال ونتذكر اننا كنا من قبل نساء. نحن محبوسون داخل شخوصنا كما في سجن دائم. أفضل ما يمكن ان نفعله، كما يبدو لي،هو ان ندرك هذه الحالة المروعة ونعترف بأننا نتكلم عن انفسنا في كل مرة لا نمتلك فيها القدرة على الصمت.
لأكن صريحاً جداً، ما يجب على الناقد قوله هو:
"السادة الأفاضل، سأقوم بالحديث عن نفسي في موضوع شكسبير، او مواضيع راسين، او باسكال، او جوته التي تقدم لي فرصة جميلة."
لقد تشرفت بمعرفة السيد كوفيلير فلوري،الذي كان ناقد عجوز جدي. في يوم ما عندما جئت لأراه في منزله الصغير في جادة رافائيل، أراني مكتبته المتواضعة التي كان يفتخر بها.
"سيدي" قال لي، "فن الخطابة، الأدب الخالص، الفلسفة، التاريخ، كل الأنواع ممثلة هنا، دون إحتساب النقد الذي يشملهم كلهم. نعم، الناقد بدوره خطيب، فليسوف، ومؤرخ."
السيد كوفيلير فلوري كان محقاً. الناقد هو كل ذلك، او على الأقل، يجب عليه ان يكون. هو يمتلك الفرصة لإظهار الملكات النادرة، الأكثر تعدداً وتنوعاً للعقل. وعندما يكون سانت بوف، تين، جول ميتر، فرديناند برونتير فإنه لا يفشل في فعل ذلك. ببقاءه داخل ذاته قطعاً يخلق التاريخ الفكري للإنسان. النقد هو الأصغر من بين جميع الأشكال الأدبية: ربما سينتهي بالإستحواذ على كل الأشكال الأخرى. انه مناسب بشكل رائع لمجتمع متحضر جداً ذو ذاكرة غنية وتقاليد عريقة. هو مناسب خصوصاً للإنسانية الفضولية، المتعلمة والمهذبة. ولإزدهاره يتطلب ثقافة اكثر من اي شكل ادبي آخر. خالقوه كانوا مونتين، سانت ايفرموند، بيل، ومونتسكيو. إنه ينبثق من الفلسفة والتاريخ معاً. لقد تطلب، لنشأته، عصر من الحرية الفكرية المطلقة. لقد حل مكان اللاهوت، وإذا كان على المرء ان يبحث عن طبيب كوني، ليكون القديس توما الأكويني للقرن التاسع عشر، في من سيجبر المرء نفسه ان يفكر سوى سانت بوف؟...   
طبقاً للمعجم الكتاب هو حزمة مقيدة من الأوراق مكتوبة باليد كانت ام مطبوعة. ذلك التعريف لا يرضيني. سأعرف الكتاب على انه عمل سحري تهرب منه كل انواع الصور لتقلق الأرواح وتغير قلوب الرجال. او، بصورة افضل، الكتاب جهاز سحري صغير ينقلنا بين صور الماضي او وسط الظلال الخارقة للطبيعة. اولئك الذين يقرأون كتباً كثيرة مثل متعاطي الحشيش. يعيشون في حلم. السم الخفي الذي ينفذ إلى عقولهم يجعلهم غير مدركين للعالم الحقيقي وفريسة لخيالات رهيبة او مبهجة. الكتب أفيون الغرب. إنها تفترسنا. سيأتي اليوم الذي نصير فيه كلنا امناء مكتبات، وتلك ستكون النهاية.
لنحب الكتب كما تحب محبوبة الشاعر حزنها. لنحبها: إنها تكلفنا غالياً. نعم، الكتب تقتلنا. قد تصدقني انا الذي اعشقها، انا الذي وهبت نفسي لها منذ مدة طويلة دون تحفظ. الكتب تذبحنا. لدينا الكثير جداً منها والكثير جداً من انواعها.  لقد عاش البشر لعصور طويلة بدون القراءة وفي تلك العصور بالظبط افعالهم كانت هي الأعظم والأكثر فائدة، لأنهم في ذلك الحين عبروا من الهمجية إلى الحضارة.  ولكن كون البشر حينها بدون كتب لا يعني انهم كانوا خلو من الشعر والأخلاق: لقد عرفوا الأغاني بالقلب وبالتعاليم الشفاهية الصغيرة. في طفولتهم حكت لهم النساء المسنات قصص الجلد السحري والقط ذو الحذاء، التي بعد ذلك بوقت طويل، صدرت منها طبعة لمحبي الكتب. الكتب الأولى كانت صخور ضخمة مغطاة بنقوش ذات طابع ديني او حكومي.
لقد مر وقت طويل منذ ذلك الحين. ياللتقدم المخيف الذي صنعناه في هذه المدة.! الكتب تضاعفت على نحو مدهش في القرنين السادس والثامن عشر. اليوم إنتاجها تضاعف مائة مرة. في باريس وحدها يصدر يومياً خمسون كتاباً بدون إحتساب الصحف. إنها عربدة وحشية. سوف نخرج منها مجانين تماماً. انه قدر الإنسان ان يسقط على التوالي في الأطراف المتناقضة. في العصور الوسطى تولد الخوف عن الجهل. لذلك سادت حينها امراض العقل التي لم نعد نعرفها. اليوم، خلال الدراسة،نحن نسرع نحو الشلل التام. ألن 
يكون اكثر حكمة وروعة ان نحافظ على قليل من الإنضباط؟

لنحب الكتب ولنقم بقراءتها: ولكن دعنا لا نقم بجمعها بعشوائية: لنكن مرهفين، ومثل، ذلك اللورد في إحدى مسرحيات شكسبير لنقل لباعة الكتب عندنا :"أريد لها ان تكون مقيدة بإحكام وأن تتكلم عن الحب." 

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2016

ملابس داخلية: فيرلينغيتي

ترجمة: محمد جمال



لم احصل على نوم كاف الليلة الماضية

افكر في الملابس الداخلية

هل حدث أبداً ان توقفت لتتأمل

الملابس الداخلية بصورة مجردة

عندما تتعمق في الأمر حقاً

تنهض بعض المسائل المروعة

الملابس الداخلية هي شيء

علينا جميعاً التعامل معه

الكل يرتدي

نوع ما من الملابس الداخلية

بابا الفاتيكان يرتدي ملابس داخلية (اتمنى ذلك)

حاكم لويزيانا

يرتدي ملابس داخلية

لقد رأيته على التلفزيون

لأبد ان لديه ملابس داخلية ضيقة

فهو يتململ كثيراً

الملابس الداخلية يمكن ان تدخلك في المشاكل حقاً

لقد رأيت إعلانات الملابس الداخلية

للرجال والنساء

متماثلة للغاية ولكن مختلفة للغاية

ملابس النساء الداخلية تمسك الأشياء أعلى

ملابس الرجال الداخلية تمسك الأشياء أسفل

الملابس الداخلية هي احد الأشياء

التي يشترك فيها الرجال والنساء

الملابس الداخلية هي كل ما بيننا

لقد رأيت الصورة ثلاثية الألوان

مع دائرة حول نقطة إلتقاء الساقين

لإظهار مناطق القوة الإضافية

والتمدد في الإتجاهات الثلاثة

واعدة بحرية كاملة للحركة

لا تنخدع بذلك

كله مبني على نظام الحزبين

الذي لا يسمح بكثير من حرية الإختيار

بالطريقة التي صممت بها الأشياء

امريكا في ملابسها الداخلية

تكافح خلال الليل

الملابس الداخلية تحكم كل شيء في النهاية

خذ المشدات على سبيل المثال

إنها بالفعل شكل فاشي

لحكومة سرية

تجعل الناس تصدق

أشياء غير الحقيقة

تخبرك بما يمكنك وما لا يمكنك فعله

هل حاولت من قبل الإلتفاف حول حزام الخصر

ربما العمل السلمي

هو الإجابة الوحيدة

هل إرتدى غاندي حزام الخصر؟

هل إرتدت الليدي ماكبث حزام الخصر؟

هل هذا هو سبب قتل ماكبث وهو نائم؟

والبقعة التي كانت تفركها دائماً

هل كانت حقاً في ملابسها الداخلية؟

لابد ان السيدات الأنجلوسكسونيات الحديثات

لديهن عقد ذنب كبيرة

دائماً يغسلن ويغسلن ويغسلن

البقعة الملعونة

الملابس الداخلية ذات البقع مريبة جداً

الملابس الداخلية ذات النتوءات مروعة جداً

الملابس الداخلية على حبل الغسيل هي راية عظيمة للحرية

احدهم فر من ملابسه الداخلية

ربما عار في مكان ما

النجدة!

لا تقلق

الجميع لا يزال متعلق بها

لن تكون هنالك ثورة حقيقية

والشعر لا يزال ملابس الروح الداخلية

والملابس الداخلية لا تزال تستر

عدد وافر من الأخطاء

بمعنى جيولوجي

الصخور الرسوبية الغريبة، الشقوق الغامضة!

لو كنت مكانك لإحتفظت جانباً

بزوج من الملابس الداخلية الشتوية ذات المقاس الكبير

لا تمضي عارياً في تلك الليلة الجيدة

وفي هذه الأثناء

كن هادئ ودافئ وجاف

لا فائدة من إثارة انفسنا قبل الأوان

من أجل لا شيء

تقدم للإمام بكرامة

اليد على الصديري

لا تصرعاطفي

ولن يكون للموت من سلطان

هنالك ما يكفي من الوقت يا عزيزتي

ألسنا بعد صغار وسلسين

لا تصرخي!

الأحد، 18 سبتمبر 2016

المدرسة: دونالد بارتلمی

ترجمة: محمد جمال

حسناً، لقد كان لدينا كل هؤلاء الأطفال يزرعون الأشجار بالخارج، أترى، لأننا إكتشفنا أن ... أن ذلك جزء من تعليمهم، لترى كيف، انت تعرف، نظام الجذور ... وأيضاً الإحساس بالمسؤولية، العناية بالأشياء، كونك شخص مسؤول. انت تعرف ما اعنيه. الأشجار كلها ماتت. كانت أشجار برتقال. انا لا اعرف لماذا ماتت، لقد ماتت فقط. ربما شيء خاطيء في التربة او ربما الأشياء التي جلبناها من المشتل لم تكن الأفضل.لقد تقدمنا بشكوى بخصوص ذلك. إذا كان لدينا ثلاثون طفلاً، كل طفل لديه شجرته الصغيرة الخاصة ليزرعها وتحصلنا على ثلاثون شجرة ميتة. كل هؤلاء الأطفال وهم ينظرون إلى هذه العصى البنية الصغيرة، لقد كان محبطاً.

ما كان ليكون أمراً سيئاً لولا انه قبل بضعة اسابيع فقط من مسألة الأشجار، ماتت كل الثعابين. لكن اعتقد ان الثعابين- حسناً، السبب وراء موت الثعابين كان ... انت تتذكر، المرجل كان مغلق لأربعة أيام بسبب الإضراب، وذلك شيء يمكن تفسيره. كان شيء يمكن شرحه للإطفال بسبب الإضراب. انا اعني، لا احد من آبائهم سيجعلهم يعبرون خط الإعتصام وهم يعرفون ان هنالك إضراب جاري وما الذي يعنيه. لذلك عندما بدأت الأشياء مرة أخرى وعثرنا على الثعابين لم يكن الأطفال منزعجين للغاية.

مع عشب الحدائق كانت المسألة في الغالب إفراط في الري، وعلى الأقل هم الآن على علم بعدم الإفراط في الري. الأطفال كانوا يعملون بضمير مع عشب الحدائق وبعضهم على الأرجح ... انت تعرف، سكب القليل من المياه الإضافية اثناء غفلتنا. او ربما ... حسناً، انا لا أحب ان افكر في عمل تخريبي، على الرغم من انه حدث لنا من قبل. انا اعني، ان الأمر عبر بأذهاننا. كنا نفكر كذلك على الأرجح لأن قبل ذلك الجرابيع ماتت، والفئران البيضاء ماتت، والعظايات... حسناً، الآن هم يعرفون بأنه لا يجب حملها في أكياس بلاستيكية.

بالطبع كنا نتوقع موت الأسماك الإستوائية، لم يكن ذلك مفاجأة. تلك الأعداد،وانت  تنظر لها وهي مقوسة وبطونها على السطح. لكن المنهج يقتضي الأسماك الإستوائية في تلك اللحظة، لم يكن بوسعنا شيء، إنه يحدث كل عام، عليك فقط ان تسرع في تجاوزه.

لم يكن من المفترض اصلاً ان نمتلك جرو.

لم يكن من المفترض اصلاً ان نمتلك واحداً، لقد كان مجرد جرو عثرت عليه فتاة تحت شاحنة التوصيل في احد الأيام وكانت خائفة من ان الشاحنة ستدهسه عندما ينهي السائق الطلبية، لذلك حشرته في حقيبتها واحضرته معها إلى المدرسة. إذا صار لدينا جرو. بمجرد ما رأيته فكرت، يا إلهي، اراهن انه سيعيش لأسبوعين تقريباً ومن ثم.... وذلك ما حدث. لم يكن من المفترض ان يكون في الفصل على الإطلاق، هنالك نوع من اللوائح بخصوص ذلك، ولكن لا يمكنك ان تخبرهم ان ليس بوسعهم حيازة جرو عندما يكون الجرو موجوداً بالفعل، امام اعينهم، يركض على الأرض وهوهوهو. لقد اطلقوا عليه إدغار-اي أنهم أسموه على إسمي. كانوا يحظون بالكثير من المرح وهم يركضون خلفه ويصيحون، "هنا، يا إدغار! رائع يا إدغار!" وبعدها يضحكون كالجحيم. لقد إستمتعوا بالغموض. انا بنفسي إستمتعت. لم أكن امانع ممازحتهم. لقد صنعوا له منزل صغير في خزانة المؤن. لا اعلم مما مات. حمى الكلاب، أعتقد. على الأرجح هو لم يأخذ اي حقن. قمت بإخراجه قبل ان يصل الأطفال إلى المدرسة. انا اتفقد خزانة المؤن كل صباح، بصورة روتينية، لأنني عرفت ما الذي سيحدث. أعطيته لأحد العمال.

ثم كان هنالك هذا اليتيم الكوري الذي تبناه الفصل من خلال برنامج مساعدة الأطفال، كل الأطفال يقومون بجلب ربع دولار شهرياً، كانت هذه هي الفكرة. لقد كان أمر يؤسف له، الطفل كان إسمه كيم وربما قمنا بتبنيه متأخراً جداً او شيء من هذا القبيل. سبب الوفاة لم يذكر في الرسالة التي إستلمناها، لقد إقترحوا علينا ان نقوم بتبني طفل اخر عوضاً عنه، وأرسلوا لنا بعض الحالات المثيرة للإهتمام، ولكن لم يكن لنا قلب لذلك. الفصل تحمل ذلك بصعوبة بالغة. لقد بدأو (لا أعتقد ان احد قال لي ذلك بصورة مباشرة) الإحساس بأنه ربما هنالك شيء خاطيء بالمدرسة. ولكنني لا أعتقد ان هنالك شيء خاطيء بخصوص المدرسة، بصورة خاصة، لقد رأيت ما هو أفضل ورأيت ما هو أسواء. انه حظ سيء فقط. لقد كان لدينا عدد إستثنائي من موت الآباء، على سبيل المثال. كان هنالك على ما اعتقد حالتان أزمة قلبية حالتان إنتحار، حالة غرق، واربعة قتلوا سوية في حادث سيارة. وحالة سكتة دماغية. ولدينا المعتاد من معدل الوفيات العالي بين الأجداد، او ربما كان أعلى هذا العام، يبدو كذلك. وأخيراً المأساة.

المأساة حدثت عندما كان ماثيو واين وتوني مافريغورداتو يلعبان حيث توجد حفريات لأجل مبنى المكتب الفيدرالي الجديد. كان هنالك كل هذه الحزم الخشبية المكدسة، انت تعرف، عند حافة الحفريات. هنالك قضية في المحكمة بسبب ذلك، الآباء يدعون ان الحزم لم تكدس بصورة صحيحة. انا لا اعرف ما هي الحقيقة. لقد كانت سنة غريبة.

لقد نسيت ان اذكر والد بيلي براندت الذي طعن اثناء إشتباكه مع دخيل مقنع في بيته.

في احد الأيام، كان لدينا نقاش في الفصل. سألوني، إلى اين ذهبوا؟ الأشجار، العظايات، الأسماك الإستوائية، إدغار، البابات والمامات، ماثيو وتوني، إلى اين ذهبوا؟ قلت انا لا اعرف، انا لا اعرف. قالوا، من الذي يعرف؟ قلت، لا احد يعرف. قالوا، هل الموت هو ما يعطي معنى للحياة؟ قلت لا، الحياة هي ما يعطي معنى للحياة.عندها قالوا، أليس الموت، بإعتباره حقيقة جوهرية، الوسيلة التي من خلالها دنيوية الحياة اليومية المسلم بها يمكن ان تتعالى في إتجاه-

قلت، نعم، ربما.

قالوا، لا يعجبنا ذلك.

قلت، ذلك ما يبدو.

قالوا، إنه مخزي بصورة رهيبة.

قلت، إنه كذلك.

قالوا، هل يمكنك ممارسة الحب مع هيلين الآن(مساعدة التدريس عندنا) حتى نرى كيف يتم ذلك؟ نحن نعلم انك معجب بهيلين.

انا بالفعل معجب بهيلين ولكنني قلت انني لن افعل.

لقد سمعنا الكثير عنه، قالوا، ولكننا لم نره أبداً.

قلت أنني سأخسر عملي وان هذا الأمر لم يمارس من قبل أبداً كمثال توضيحي. هيلين نظرت من النافذة.

قالوا، ارجوك، ارجوك مارس الحب مع هيلين، نحن نطالب بتأكيد للقيمة، نحن خائفون.

قلت انه لا يجب عليهم ان يكونوا خائفين( على الرغم من انني اخاف احياناً) وان هنالك قيمة في كل مكان. هيلين جاءت وعانقتني. قبلتها على جبينها عدة مرات. أمسكنا ببعضنا البعض. الأطفال كانوا منفعلين. بعدها كان هنالك طرق على الباب، فتحت الباب، فخطى للداخل الجربوع الجديد. الأطفال هللوا بصخب.

الأحد، 11 سبتمبر 2016

كيف تصيري كاتبة او، هل استحققت هذا الكليشيه؟: لوري مور

ترجمة: محمد جمال

أولاً حاولي أن تصيري شيئاً، اي شيء آخر. نجمة سينمائية/رائدة فضاء. نجمة سينمائية/مبشرة.نجمة سينمائية/مدرسة روضة.رئيسة العالم.إفشلي بشكل بائس. من الأفضل لو فشلتي في عمر مبكر- قل في الرابعة عشر.مبكراً، الخيبة الحاسمة مهمة حتى تتمكني في الخامسة عشر من كتابة سلاسل هايكو عن رغبة محبطة.
" إنها بركة،
 زهرة الكرزتتفتح،
 الريح تربت على
جناح عصفور يغادر إلى الجبل"
إحصي المقاطع.أريها لأمك.إنها صارمة وعملية.لديها ولد في فيتنام وزوج .تشك ان لديه علاقة عاطفية.هي تؤمن بلبس اللون البني لأنه يخفي البقع. ستلقي نظرة قصيرة على كتابتك ثم عليك بوجه خال من التعبير مثل كعكة محلاة. ستقول "ماذا عن تفريغ غسالة الصحون؟" تنظر بعيداً.إحشري الشوك في درج الشوك. ومن غير قصد حطمي احد الكؤوس. هذا هو الألم والمعاناة المطلوبين.هذه مقبلات فقط.

في مدرستك الثانوية في حصة اللغة الإنجليزية حدقي في وجه مستر كيليان. قرري أن الوجوه مهمة. اكتبي فيلانيلا* عن الإستغراق. كافحي. اكتبي سونيتة**. إحصي المقاطع: 9،10،11،13. قرري ان تجربي القصص. هنا انت لست بحاجة لإحصاء المقاطع. اكتبي قصة قصيرة عن رجل وامرأة عجوزين من غير قصد يطلقون النار على رؤوس بعضهم البعض، نتيجة لعطل غامض في بندقية الصيد التي ظهرت بصورة غامضة في غرفة المعيشة في واحدة من الليالي. سلميها لمستر كيليان كمشروعك النهائي. عندما تستعيدينها، ستجدينه قد كتب عليها: "بعض صورك جيدة للغاية، لكن ليس لديك إحساس بالحبكة." عندما تكونين في المنزل، في عزلة غرفتك، تحت تعليقاته المكتوبة بحبر أسود خربشي بقلم الرصاص: الحبكات للموتى، وجه مستغرق

خذي كل وظائف مجالسة الأطفال التي تجدينها. أنت جيدة مع الأطفال. هم يحبونك. انت تحكين لهم قصص عن اناس عجائز يموتون ميتات خرقاء. تغنين لهم أغان مثل "أجراس اسكتلندا الزرقاء" المفضلة لديهم. وعندما يكونوا في ملابس النوم وقد توقفوا أخيراً عن قرص بعضهم البعض، عندما يكونوا غارقين في النوم،تقومين بقراءة كل دليل للجنس في المنزل، وتتسائلين كيف يمكن لأي احد ان يفعل هذه الأشياء مع شخص يحبه حقاً. يغالبك النعاس على الكرسي وانت تقرأين مجلة البلاي بوي الخاصة بالسيد ماكميرفي. عندما يعود الزوجان ماكميرفي إلى البيت، سينقرون على كتفك، انظري الى المجلة التي على حجرك وابتسمي. ستتمنين الموت. سيسألونك ان كانت تريسي تناولت ادويتها بشكل جيد. اشرحي لهم، نعم لقد فعلت، فقد وعدتها بقصة إن تناولتها مثل فتاة كبيرة الأمر الذي نجح بصورة جيدة على ما يبدو. "اووه، رائع،" سيهتفون.حاولي ان تبتسمي بفخر.قدمي للكلية في مجال علم نفس الطفل.

في تخصص علم نفس الطفل، لديك بعض الفصول الإختيارية. لطالما احببت الطيور. سجلي في شيء يسمى "الرحلة الميدانية في علم الطيور". ينعقد كل ثلاثاء وخميس عند الساعة الثانية. عندما تصلين الى الغرفة 134 في اليوم الأول من الدرس، ستجدين الجميع جالس حول طاولة إجتماعات يتكلمون عن المجازات. لقد سمعت بهذه الأشياء. بعد مدة قصيرة، تتألمي قليلاً، إرفعي يدك وقولي بخجل، "معذرة، اليس هذا فصل مراقبة الطيور 101؟" سيتوقف الدرس وينظر الجميع إليك. يبدو ان جميعهم لديه وجه واحد- ضخم وخال من التعبير كساعة معطلة. احد ما بلحية سيهدر، "لا، هذا فصل الكتابة الإبداعية." قولي:"اوو- حسناً، كما لو انك كنت تعلمين طوال الوقت. انظري لجدولك. تسائلي كيف بحق الجحيم انتهيت هنا. الكمبيوتر، على ما يبدو، إرتكب خطأ. تبدأين في المغادرة ثم لا تفعلين.

الطابور عند المسجل طويل للغاية هذا الإسبوع. ربما يجب عليك البقاء مع هذا الخطأ. ربما كتابتك الإبداعية ليست سيئة لتلك الدرجة. ربما هو القدر. ربما هذا ما كان والدك يعنيه عندما قال، " إنه عصر الكمبيوتر، يا فرانسي، إنه عصر الكمبيوتر".

قرري انك تحبين حياة الكلية. في مسكنك تقابلين العديد من الناس اللطيفين. بعضهم اذكى منك. وبعضهم، تلاحظين، اغبى منك. ستستمرين، للأسف، في رؤية العالم بالظبط بهذه المصطلحات لبقية حياتك.

فرض هذا الإسبوع في الكتابة الإبداعية هو ان تسرد حدث عنيف. تقومين بتسليم قصة عن ركوب السيارة مع عمك جوردون وواحدة أخرى عن شخصين عجوزين من غير قصد يقومان بقتل احدهما الآخر بصدمة كهربائية عندما كانا يحاولان تشغيل مصباح مكتبي اسلاكه موصلة بصورة سيئة. الاستاذ سيعيدهم إليك مع تعليقات: "العديد من كتاباتك سلس وحيوي. لديك، مع ذلك،تصور سخيف عن الحبكة." اكتبي قصة أخرى عن رجل وامراة،الذين في الفقرة الأولى، انصافهم السفلية تنسحق بالصدفة بالديناميت. في الفقرة التالية، بأموال التأمين، يشتريان معاً عربة لبيع الزبادي. هنالك ستة فقرات أخرى. قومي بقراءتها بصوت عال في الفصل. لا تعجب أحد. يقولون ان احساسك بالحبكة شنيع وواهن. بعد الدرس يسألك احدهم إن كنت مجنونة.

قرري انه ربما عليك الإلتزام بالكوميديا. إبدأي في مواعدة شخص مضحك، احد يمتلك ما كنت تسميه في الثانوية "احساس عظيم جداً بالفكاهة" وما يسميه فصل الكتابة الإبداعية الآن"إحتقار الذات ساهم في صعود الشكل الهزلي". سجلي كل نكاته، ولكن لا تخبريه انك تفعلين ذلك. اصنعي جناسات من اسم حبيبته السابقة وسمي بها جميع شخصياتك المعاقة اجتماعياً. اخبريه ان حبيبته السابقة موجودة في كل قصصك وشاهدي الى اي حد يمكن ان يصير مضحكاً، شاهدي كم هو عظيم حقاً إحساسه بالفكاهة. مرشدك في علم نفس الطفل يخبرك انك تهملين الدروس في تخصصك . ما تقضين فيه اغلب الوقت يجب ان يكون تخصصك. قولي نعم، انت تفهمين.

في حلقات الكتابة الإبداعية خلال السنتين التاليتين، الجميع يستمر في تدخين السجائر والسؤال عن نفس الأشياء: "ولكن هل ينجح ذلك؟" "لماذا يجب علينا الإهتمام بهذه الشخصية؟" "هل إستحققت هذا الكيليشيه؟" تبدو هذه كأسئلة مهمة.

في الأيام التي يكون الدور فيها عليك، تنظرين إلى الفصل مفعمة بالأمل بينما هم يمشطون نسخك بحثاً عن الحبكة. يرفعون رؤوسهم نحوك، يسحبون نفس عميق ثم يبتسمون على نحو لطيف.

تقضين وقت كثير جداً متسكعة ومحبطة. حبيبك يقترح ركوب الدراجات. رفيقتك في الغرفة تقترح حبيب جديد. قيل انك تشوهين ذاتك وتخسرين الوزن، ولكنك تستمرين في الكتابة. السعادة الوحيدة لديك هي كتابة شيء جديد، في منتصف الليل،رطوبة الإبطين، دقات القلب، شيء لم يره احد بعد. لديك فقط هذه اللحظات الموجزة الزائلة الغير مجربة من البهجة عندما تعرفين: انت عبقرية. تفهمين ما يجب عليك فعله. تبديل التخصص. الأطفال في مشروع الحضانة سيخيب أملهم، لكن انت لديك نداء، توق، وهم، عادة مشؤومة. لديك ، كما يمكن لأمك ان تقول، غرام مع الجماعات السيئة.

لماذا تكتبي؟ من اين تأتي الكتابة؟ هذه هي الأسئلة التي عليك ان تسأليها لنفسك. انها مثل: من اين يأتي الغبار؟ او: لماذا هنالك حرب؟ او: إذا كان هنالك إله، لماذا اخي الآن مشلول؟
هذه هي الأسئلة التي تحملينها في محفظتك، مثل بطاقات الهاتف. هذه هي الأسئلة التي يقول عنها استاذ الكتابة الإبداعية، ان من الجيد تسجيلها في دفتر يومياتك ولكن نادراً في قصصك.

بروفيسور الكتابة هذا الخريف يؤكد على قوة الخيال. هذا يعني انه لا يريد قصص تصويرية طويلة عن رحلتك للتخييم في يوليو الماضي. يريدك ان تبدأي من سياق واقعي ثم تقومين بتعديله مثل توليف الحمض النووي. هو يريدك ان تدع خيالك يبحر، دع بطنه تكبر مع الريح. هذا إقتباس من شكسبير.

احكي لرفيقتك في السكن عن فكرتك العظيمة، تمرينك العظيم في قوة الخيال: تحويل ميلفل إلى الحياة المعاصرة. ستكون قصتك عن الهوس الآحادي وعالم التأمين على الحياة حيث "السمكة الكبيرة تأكل السمكة الصغيرة" ستكون القصة في روتشستر، نيويورك. السطر الأول سيكون "أدعني فيشمائيل"، وستحتوي على زوج من الضواحي بلغ سن اليأس اسمه ريتشارد، الذي،لأجل انه مكتئب طوال الوقت، يسمى "موبي ديك" بواسطة زوجته الألمعية.قولي لرفيقتك في السكن:"موبي ديك، هل فهمتها؟" *** رفيقتك ستنظر إليك، وجهها خال من التعبير مثل منديل ورقي ضخم. ستأتي إليك، وتضع يدها، كصديقة مقربة، حول اكتافك المثقلة. "إسمعي، فرانسي،" ستقول، ببطء كمعالج نفسي. "لنخرج ونحتسي بيرة كبيرة"

في الحلقة لا يعجبهم هذا ايضاً. ترتابين في انهم بدأو يشفقون عليك. يقولون :"عليك ان تفكري في ما يحدث. اين هي القصة هنا؟"

في الفصل الدراسي التالي البروفيسور مهووس بالكتابة من خبرة شخصية. عليك الكتابة من ما تعرفينه، من ما حدث لك. يريد وفيات، يريد رحلات التخييم. فكري في ما حدث لك. في ثلاث سنوات كان هنالك ثلاث أشياء: فقدتي عذريتك، تطلق والداك، وأخاك عاد من غابة على بعد عشرة اميال من الحدود الكمبودية بنصف فخذ فقط، وإبتسامة متكلفة دائمة، تختبئ في أحد زوايا فمه.

بخصوص الشيء الأول اكتبي :" لقد خلق فراغاً جديداً، يؤلمني ويجعلني ابكي بصوت ليس لي، انا لست نفسي بعد الآن، لكنني سأكون بخير."
عن الشيء الثاني اكتبي قصة مفصلة عن زوجين عجوزين يتعثران بلغم ارضي في مطبخهما ومن غير قصد يقومان بتفجير نفسيهما. تقومين بتسميتها "في السراء والسجق."
عن الشيء الأخير لا تكتبي شيئاً. ليس هنالك كلمات لهذا. آلتك الكاتبة تهمهم. لا يمكنك إيجاد كلمات.

في حفلات الكوكتيل الجامعية ، الناس سيقولون،" اوه، انت تكتبين؟ ما هو الأمر الذي تكتبين عنه؟" رفيقتك بالسكن، التي استهلكت كميات كبيرة من النبيذ، قليل جداً من الجبن ولا شيء من المقرمشات، تقول : "يا إلهي، انها دائماً تكتب عن حبيبها الغبي."
لاحقاً في الحياة ستتعلمين ان الكتاب بالكاد يفتحون، عاجزين النصوص المكتوبة عنهم بدون فهم حقيقي لما كتب فيها وبالتالي عليهم تصديق نصف او كل الأشياء التي تقال عنهم.لكنك، مع ذلك،لم تصلي بعد الى تلك المرحلة من النقد الأدبي.تتصلبين وتقولين،" انا لا أفعل ذلك،" بنفس الطريقة التي قلتها بها عندما اتهمك احدهم في الصف الرابع انك بالفعل تحبين دروس المزمار ولا تأخذينها فقط لأن والداك يجبرانك على اخذها.
أصري على انك لست شغوفة بموضوع واحد على الإطلاق، انك شغوفة بموسيقى اللغة، انك شغوفة بال- بال- المقاطع، لأنها نواة الشعر، خلايا الدماغ، أنفاس الروح. إبدأي بالشعور بالدوار. حدقي في كوب النبيذ البلاستيكي في يدك.
"المقاطع؟" ستسمعين أحدهم يسأل، الصوت يخفت، بينما ينزلقون ببطء نحو الطمأنينة البيضاء للغرق.

ابدأي بالتسائل عن ما هو الأمر الذي تكتبي عنه. او إذا كان لديك شيء لتقوليه. او إذا كان هنالك شيء يدعى شيء لقوله. اقصري هذه الأفكار على عشر دقائق فقط في اليوم، مثل جلسة، يمكن لهذا الأفكار ان تجعلك نحيلة.

ستقرأين في مكان ما ان كل الكتابات لها علاقة بالأعضاء التناسلية. لا تتمعني في هذا الأمر. سيجعلك عصبية.

أمك ستأتي لزيارتك. ستنظر إلى الدوائر تحت عينيك وتسلمك كتاب بني بحقيبة بنية على الغلاف. عنوانه "كيف تصبح مدير تنفيذي". لقد اشترت ايضاً موسوعة "أسماء المواليد" التي طلبتها؛ أحد شخصياتك، معلم المدرسة المهرج العجوز، يحتاج إلى إسم جديد. أمك ستهز رأسها وتقول :"فرانسي ، هل تتذكري عندما كنت ستتخصصين في علم نفس الطفل؟"
قولي: "ماما، انا احب الكتابة."
ستقول: "لا شك أنك تحبين الكتابة. بالتأكيد. لا شك أنك تحبين الكتابة."

اكتبي قصة عن طالب موسيقى مضطرب وسميها: " شوبرت هو الذي يرتدي النظارات، اليس كذلك؟" ليست تحفة فنية، بالرغم من ان رفيقتك في السكن يعجبها الجزء الذي يقوم فيه عازفي الكمان من غير قصد بتفجير نفسيهما في المسرح. "لقد خرجت مع عازف كمان من قبل،" ستقول، وهي تطرقع علكتها.

حمداً لله انك تأخذين فصولاً أخرى. يمكنك ان تجدي العزاء في العقبات الوجودية للقرن الثامن عشر وطقوس الغزل عند اللافقاريات. نوع محدد من الرخويات الكروية يمتلك ما يسمى " الجنس بواسطة اليد." ذكر الأخطبوط، على سبيل المثال، يخسر نهاية احد اياديه عندما يضعها داخل جسد الأنثى خلال الجماع. علماء الأحياء البحرية يسمونها "السموات السبع." كوني سعيدة بمعرفة هذه الأشياء. كوني سعيدة أنك لست مجرد كاتبة. قدمي طلباً للإلتحاق بمدرسة القانون.

من هنا فصاعداً، اشياء عديدة قد تحدث. لكن الحدث الرئيسي سيكون هذا: تقررين ألا تذهبي إلى مدرسة القانون بعد كل شيء،وبدلاً عن ذلك، تقضين شطر كبير من حياة الراشدين تخبرين الناس عن كيف انك قررتي ألا تذهبي الى مدرسة القانون بعد كل شيء. بطريقة ما تنتهين إلى الكتابة من جديد. ربما تواصلين في دراسات عليا. ربما تعملين في وظائف غريبة وتأخذين دورات في الكتابة خلال المساء. ربما تعملين وتسجلين كل التعليقات الذكية والإعترافات الشخصية الحميمة التي تسمعينها خلال النهار. ربما تفقدين اصدقائك، معارفك، إتزانك.

لقد انفصلت عن حبيبك. انت الآن تخرجين مع رجال، الذين عوضاً عن ان يهمسوا "أحبك" يصرخوا:"إفعليها لي، صغيرتي." هذا جيد لكتابتك.

عاجلاً ام آجلاً ستكون لديك مخطوطة منتهية قد تزيد وقد تنقص. الناس سينظرون إليك بطريقة غامضة ومضطربة، "أراهن ان كونك كاتبة كان دائماً شيء خيالي بالنسبة لك، اليس كذلك؟" شفاهك جافة للغاية. اخبريهم ان من بين كل الأشياء الخيالية الممكنة في هذا العالم، لا يمكنك ان تتصوري ان كونك كاتبة يمكن ان يكون بين العشرين الأوائل. اخبريهم انك كنت ستتخصصين بعلم نفس الطفل. "أراهن"، دوماً يتنهدون "انك كنت ستكونين عظيمة مع الأطفال." تجهمي بشراسة. أخبريهم انك نصل يمشي.

استقيلي من الدورات. إستقيلي من عملك. حصلي مدخراتك القديمة كلها. الآن لديك وقت مثل البثور التي في يدك. ببطء إنسخي كل عناوين اصدقائك في دفتر عناوين جديد.إكنسي. إمضغي حبوب السعال. إحتفظي بمغلف مليء بالقصاصات.
"اجفان مسودة بالجوانب."
"كلمة كمؤامرة."
"حبكة محتملة؟ إمرأة تصعد إلى بص."
"افترض انك رميت بعلاقة عاطفية ولم يأتي أحد."

في البيت إشربي الكثير من القهوة. في مطعم هاورد جونسون اطلبي سلطة الكرنب. تأملي كيف تشبه القصاصات اللينة لخريطة: اين كنت، إلى اين تذهبي- "أنت هنا" تقول النجمة الحمراء في ظهر قائمة الطعام.

احياناً، رفيق بوجه خال من التعبير مثل ملاءة او ورقة سيسألك إذا ما كانت الكتابة تصير محبطة احياناً. قولي أنها احياناً تفعل، احياناً تفعل. قولي انها تبدو كثيراً مثل معاناتك من شلل الأطفال.
"مثير للإهتمام،" يبتسم رفيقك، ومن ثم ينظر للإسفل إلى شعر يده ويبدأ في تمليسه، كلهم، دائماً، في نفس الإتجاه.
 _____________________________________________
* الفيلانيلا: قصيدة رعوية من تسعة عشر بيتاً
** السونيتة: نوع من القصائد عادة من اربعة عشر بيتاً
***   هيرمان ميلفل: روائي أمريكي صاحب رواية موبي ديك والكاتبة هنا تلعب على كلمات الرواية فالسطر الأول من رواية ميلفل هو "أدعني إسماعيل" كما ان إسم الحوت الذي يطارده بطل الرواية هو موبي ديك بينما الزوجة تطلق على زوجها إسم بنفس النطق ولكن يعني القضيب المكتئب

الجمعة، 9 سبتمبر 2016

انا جئت من ساحة الزنوج: مارتن كارتر

ترجمة: محمد جمال


انا جئت من ساحة الزنوج الأمس
وثبت من كراهية المضطهدين
وإحتقاري لذاتي؛
من عذاب الكوخ المظلم في الظل
وإساءة الأشياء؛
من نهارات القسوة الطويلة وليالي الألم الطويل
نزلت إلى الشوارع الرحيبة للغد، لليوم التالي
جئت واثباً، والذي لا يرى سيسمع.

في ساحة الزنوج كنت عاري مثل مولود جديد
عاري مثل صخرة او نجمة.
كان مهدي أيام عمياء تهتز في الزمن
ممزقة مثل الجلد على ظهر عبد.

كانت أرضية قاسية تلك التي حبوت فيها
على يداي وركبتاي مفتشاً الغبارعن أثر جذر
او علامة ورقة او شكل زهرة.

كنت امشي دائماً حافي القدمين
اقابل وجوه غريبة مثل تلك التي في الأحلام او الحمى
عندما إنقلب العالم رأساً على عقب
ولم يعرف أحد السماء من الأرض
ولم يعرف أحد أي قلب قلبه بين الممزق والجريح
ولم يعرف أحد أي وجه وجهه بين الغريب والمروع
اتجول، متأوه وسط الريح.

وكان هنالك دائماً موسيقى حزينة في مكان ما في الأرض
مثل بوق أو طبل بين المنازل
أصوات نسوة يغنين بعيداً
وقفات من الصمت، ثم طوفان من الصوت.
ولكن هذه كانت اشياء مثل الأشباح وارواح الرياح.
لقد كان مجرد عالم كبير يدور بالخارج.
والرجال، مولودين في الألم، ممزقين بالتعذيب ،
ملتوين ومكسورين مثل ورقة شجر،
وفي الصباح الشاق، أسرة الجوع
ملطخة وقذرة مثل العالم،
كبير وقاس، يدور بالخارج.

جالس مرة عند الشفق قرب الغابة
حيث ذهبت كل الأضواء والطيور
لمحت نجمة صغيرة متاخمة ورقة شجرة،
قطرة صغيرة من الضياء، قطعة من الزجاج،
بجهد تدفع فوق السماء إشراق صغير
مثل بذرة بريق في قدر الكآبة
آه لقد كان القلب مثل هذه النجمة الصغيرة قرب الأحزان
بجهد يدفع ضد العالم كله والشفق الطويل

بريق من حلم رجل يقهر الليل
يتحرك في العتمة والعنف
حتى تتغير أوراق المغيب من الأخضر إلى الأزرق
وتنمو الظلال مثل العمالقة في كل مكان.

هكذا ولدت من جديد جامح وعنيف
اصرخ في العشوائيات.
كانت مدينة ونعش
نهر يجري، سجون ومستشفيات
رجال يسكرون ويموتون، قضاة ممتلئين بالإحتقار
قساوسة وكهان يخدعون اللآلهة بالكلمات
وانا، مثل كلب مشتبك في الخرق
مبرقع بالقروح مرشوش بالغبار
اصرخ بجوع، ناقم على الحياة والرجال.

كان طفل يولد من أم ممتليء بدمها
تنسج نزيفها المميز حياتها في كتل متخثرة.
كان ألم يدوم لساعات لشهور لسنوات
ينسج أنماط، يحكي حكايات، يترك أثر
على الوجه والجبين
حتى جاءت أيام الحديد تصب في المسبك
حيث صنع الرجال مطارق لا يمكن أن تنكسر
وسنادين ثقيلة صلبة وباردة كالثلج.

وهكذا من جديد صرت واحد من العشرة الآف
واحد من المآسي التي لا تحصى مالكة الأرض.
عندما يرتفع القمر فقط العاهرات يستطعن الرقص
موسيقى الجاز النحاسية تنبض وتتأوه
معبئة هواء الليل بالأسئلة الإيقاعية.
كانت القشرة والبذرة تتحدى النار
الولادة والقبر تتحدى الحياة.

حتى يوم في وسط الإضطراب
عندما تغيرت الأرض و تداعى العالم بالكامل
عندما إتحدت أصوات مختلفة لتقول نفس الشيء
وقلوب مختلفة نبضت في إنسجام
حيث الأرضية المؤلمة حيث اعيش
الأرض المراوغة فيها إتخذت هيئة
حملت حياتي الزنجية ،إحتقاري
وقذفتها في وجه اولئك الذين يكرهونني
انه انا الولد الزنجي تحول إلى رجل
موصلاً أصابعي، ولاحماً لحمي بالحرية.

انا جئت من ساحة الزنوج الأمس
وثبت من كراهية المضطهدين
وإحتقاري لذاتي
انا جئت إلى العالم بندبات فوق روحي
جراح على جسدي، وحنق في يدي
انتقلت إلى تواريخ الرجال وحيوات الناس.
متفحصاً وابل البريق وثروة الأحلام.
مسرور بالأمجاد وحزين بالأحزان
غني بالغنى، فقير بالخسارة
من الساحة الزنجية للأمس انا جئت مع أعبائي.
إلى عالم الغد إنتقلت بقوتي